النويري

22

نهاية الأرب في فنون الأدب

معه ، وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءا . وإنما أظهر له ذلك لما اطَّلع عليه من إيمانه ، وكان الملك مع اطَّلاعه يغضّ عنه لما هو عليه من الكفاية والأمانة والحكمة وسداد الرأي ، فوجّهه نحوه ، وأرسل معه فئة من أصحابه ، وأوعز إلى الفئة دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتوه به إن أراد أن يتخلَّف عنهم ، وإن جاء مع الكاتب واثقا به آنسا بمكانه لم يوحشوه ولم يروّعوه ، ثم أظهر آجاب للكاتب الإنابة وقال : إنه قد آن لي أن أتوب وأتّعظ ، وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني ؛ وقد عرفت أنّ ذلك بدعوة إلياس ، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي منّا فنهلك بدعوته . فانطلق إليه وأخبره أنّا قد تبنا وأنبنا ، وأنه لا يصلحنا في توبتنا وما نريد من رضا ربّنا وخلع أصنامنا إلَّا أن يكون إلياس بين أظهرنا يأمرنا وينهانا ، ويخبرنا بما يرضى به ربّنا . وأمر الملك قومه فاعتزلوا الأصنام ، وقال له : أخبر إلياس بأنّا قد خلعنا آلهتنا التي كنّا نعبد وأرجأنا « 1 » أمرها حتى ينزل إلياس إلينا ، فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها وكان ذلك مكرا من الملك . فانطلق الكاتب والفئة حتى علوا الجبل الذي فيه إلياس - عليه السلام - ثم ناداه الكاتب ، فعرف إلياس صوته ، فتاقت نفسه إليه وأنس بمكانه وكان مشتاقا إلى لقائه ، فأوحى اللَّه تعالى إلى إلياس أن ابرز إلى أخيك الصالح فالقه وجدّد العهد به ، فبرز إليه إلياس وسلَّم عليه وصافحه ، وقال له : ما الخبر ؟ قال له المؤمن : إنّه قد بعثني إليك هذا الجبّار الطاغية وقومه ، ثم قصّ عليه ما قالوا ، ثم قال : وإنّى خائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني ، فمرنى بما شئت أن أفعله وأنتهى إليه ، [ إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته ، وإن شئت جاهدته معك « 2 » ]

--> « 1 » كذا في قصص الأنبياء للثعلبي المخطوطة . وفى المطبوعة : « وقد أهملنا أمرها » . وفى الأصل : « وأرجينا أمرنا » . « 2 » زيادة عن الثعلبي في قصص الأنبياء المخطوطة والمطبوعة .